الرئيسية / جهوية / على هامش حرائق الواحات بحوض زيز بجنوب شرق المغرب: هل هي بداية مسيرتنا نحو الهلاك؟

على هامش حرائق الواحات بحوض زيز بجنوب شرق المغرب: هل هي بداية مسيرتنا نحو الهلاك؟

لحسن ايت الفقيه
 
يحدث في الأوساط الاجتماعية التقليدية، عادة، إن هي إلا أوساطا عاجزة عن السيطرة على الطبيعة، لتخبطها في أهوال التخلف، أن يضعف التحكم في الأداء، وتغيب عقلنة الفعل. ففي تلك الأوساط تصادف فاعلا مترهلا مغلوبا على أمره لضعف الإمكانيات والوسائل والخبرة، ولضعف تدخل الدولة، وترهل المجتمع المدني. وقد تحصل الزلة، مرة، ويجري الاستدراك، ويجاهد الناس أنفسهم درئا لخطر الطبيعة والإهمال، معتمدين على إمكانياتهم الذاتية. إلا أن حصول الزلة في الواحة، زلة عظيمة بالتأكيد، بما هي وسط منشأ ثقافيا، أمر يحمل من الخطورة ما يستدعي التفكير فيه. فالوضعية منذرة (Situation alarmante)، بعبارة أدق، لأن الإنسان سلف أن راكم التجربة، في الواحة وأنشأ، أنساقا ثقافية تدور جل محاورها على العلاقة بين الإنسان والأرض. وبعبارة أخرى فالواحة وسط لا يطيق التحولات القروية المتهورة، لأنها مجالية سوسيوثقافية. وليس هناك من شك يخامر أي نفس أنه حينما تنهار الثقافة تنهار الواحة، وقد نشأت الثقافة بواحات زيز تنهار، بالتدريج، وما علينا إلا أن ننتظر هلاكنا أجمعين، نحن أبناء الواحة. كلا، ثم كلا، يتوجب دق ناقوس الخطر، وعدم الوقوف بأيد مقيدة أمام تكرار الحرائق بواحات زيز بجنوب شرق المغرب، لا بد من فعل شيء ما.
 
لنبدأ من حيث يجب، أي: ذكر الخبر، كما جرى، أو كما نقله رواة الأخبار، لا يهم. لقد نجحت الوقاية المدنية بإقليم الرشيدية في السيطرة على حريق اندلع بواحة زيز التابعة لجماعة الرتب، أوفوس، إقليم الرشيدية، دائما، أتى على أكثر من 1500 شجرة زيتون، يوم الخميس 4 من يوليوز من العام 2019، يقول مسطور قصاصة المغرب العربي للأنباء (MAP) نقلا عن السلطة المحلية، وأتى، فضلا عن ذلك، على 2540 نخلة، في مساحة تمتد على 20 هكتار. وفي حديث آخر، شاع أن الحريق اندلع على الساعة الخامسة من مساء يوم الأربعاء 03 من شهر يوليوز من العام 2019 بغابة النخيل بقصر الزاوية القديمة، أتى على 60 في المئة من الواحة المسقية، هناك، وهو حريق حُطَم، امتد إلى غابة قصر بلاغمة، والتهم كل شيء. ولئن حضر الجيش وجرى توظيف مروحيتين بالليل، فإن رجال الدرك الذين أخبروا في الوقت المناسب، لم يتدخلوا بسرعة. وفي يوم الإثنين 29 من شهر يوليوز من العام 2019 اندلع حريق بواحة قصر الكارة (بكاف معطشة) بإقليم الرشيدية، فتضررت أشجار الزيتون والنخيل، وتدخل رجال الوقاية المدنية لإخماد الحريق.
 
وبعد حرائق الزاوية القديمة وبلاغمة والكارة التي لم تخلف خسارئر في النسل، «لقي شخص مصرعه اختناقا»، مساء يوم الأربعاء 14 من شهر غشت من العام 2019 «خلال محاولته إخماد حريق اندلع بواحة نخيل، توجد بمنطقة قصر أولاد عيسى التابعة لجماعة أوفوس ضواحي الرشيدية»، ولا شك أن الحريق خلف خسائر فادحة، لقوة رياح السيروكو يومها.
 
ما هي أسباب هذه الحرائق؟
 
تقول جل المصادر الإعلامية أن الحرارة القوية التي فاقت 40 درجة واحدة من تلك الأسباب، فضلا عن الرياح القوية التي حمت اللهب على نطاق واسع في غابة أولاد عيسى. وتضيف بعض المصادر أن «السلطات المحلية بإقليم الرشيدية قامت خلال هذه السنة الجارية، بعدة مجهودات من أجل مكافحة حرائق الغابات… وعقدت لقاءات خصصت لمدارسة الخطوط العريضة لمخطط عمل سنة 2019 الخاص بالوقاية من حرائق الغابات، وعلى الخصوص الواحات المنتشرة بإقليم الرشيدية»، (وكالة المغرب العرب للأنباء، بتاريخ 04/07/2019)، ونفس الخبر نقله موقع هبة بريس بتاريخ 05/07/2019، ليعود (الموقع) إلى الموضوع يوم 15/08/2019، والتركيز على التحسيس الذي قامت به جمعية واحة فركلة للبيئة والتراث. حضر اللقاء التكويني: «56 من ممثلي النسيج الجمعوي بمنطقة أوفوس، وجرى التطرق إلى الأضرار البيئية التي تخلفها الحرائق وتأثيرها على الغطاء النباتي وأشجار النخيل». وكان موقع «جديد أنفو»، رفع بتاريخ 30/07/2019 نداء «لسكان الواحات وجمعيات المجتمع المدني التي تشتغل على التنمية أن تقوم بحملات توعوية والمساهمة في تنقية أعشاش النخيل، وإتلاف كل ما هو يابس، وجمع بقايا الزجاج، وعدم إشعال النيران، والقيام بحملات بيئية مستمرة لتجنب خسائر الواحة من الحريق، والتي تتكرر تقريبا كل سنة بواحات درعة تافيلالت”.
 
ذلك هو الحدث باختصار شديد، ومن سمته أنه بات يتكرر في السنوات الأخيرة مما يحق نعته أنه ظاهرة سلبية محدثة بموازاة مع انهيار القيم والثقافة. وكلنا يعلم أن الواحة وسط هش أحدثه الإنسان بإمكانيات بسيطة ضمانا لاستقراره. يضمن هذا الوسط فضلا عن موارد العيش القليلة حطب الطهي والتدفئة. ذلك أن أعشاش النخيل في حاجة دائمة إلى التشذيب المستمر. إلا أن التحول الجاري، إذ نشأ الإنسان يستبدل الحطب بالغاز، نتج عنه إهمال الأعشاش تنقيتِها في أسوأ الأحوال، أو يحصل تشذيبها دون إخراج الحطب اليابس بعيدا. فالجريد فضلات تُرى محففة كل بساتين النخيل، وهي حطب لائق لتيسير عمل نار حُطمة تأتي على الأخضر واليابس.
 
كانت الواحة بالأمس وسط محصن بالعرف، لا يدخله إلا من يرغب في خدمة الأرض بالحرث والري والتنقية. وطالما يُبكت كل مخالف للعرف بتغريمه وتوبيخه كأضعاف الإيمان، وأصبحت اليوم بساطا للنزهة تلجأ إليها الأسر للفسحة، وطالما تترك، عند انصرافها، أزبالا، كنحو الزجاج وولاعات لإيقاد النار، وعلب البلاستيك، وقارورات خمر فارغة، أحيانا، وكل تلك الأزبال من أسباب الحرائق.
 
أصبحت الواحة اليوم وسطا سُخناً لتعمير جنباتها بالبنايات الساخنة. ولست أدري كيف يرخص أهل التعمير لإحداث بنايات إسمنتية في الوسط الواحي؟ وقبل ذلك لم يقتصر البناء على المجال القابل للتعمير بل بات يزحف على المجال الزراعي، كما هو الشأن بواحة أوفوس وتيزيمي والريصاني. ومعنى ذلك، أن الواحة، بما هي وسط إيكولوجي هش، لا يطيق التحولات القروية، أصبح ينهار بتغير سلوك الإنسان.
 
وجرى بعد تراجع العرف، وانهيار النظم الزراعية، أن نشأت الواحة تطرد شبابها، لذلك استفحلت الهجرة. ولا غرو، فقد سلف للغرفة الفلاحية الجهوية بجهة درعة تافيلالت أن دقت ناقوس الخطر، بعد أن لاحظت ندرة العمال الزراعيين في موسم جني الزيتون. وبعبارة أخرى، فالمجتمع بواحات الجنوب الشرقي المغربي عامة طفق يشيخ تدريجيا لعدم رغبة الشباب في ممارسة الأشغال الزراعية. هنالك لن ينفع أي تحسيس يميل إلى تشجيع السكان لتنقية أعشاش النخيل، والحفاظ على الواحة الإيكولوجي. وليس هناك من يقوم بأي عمل تطوعي أو مقابل نوال لشيخوخة سكان الواحة، وهجرة شبابها بحثا عن حياة أفضل خارج الوطن وداخله، لكن يجب التفكير في مشاريع تنموية تهدف إلى عادة تسوية الوضع بالوسط الواحي.

شاهد أيضاً

فتح الطريق بين بومالن ومسمرير في وجه حركة السير

أعلنت وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، اليوم السبت، أنه تم فتح الطريق الجهوية رقم 704 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *