الأربعاء , ديسمبر 7 2022
أخبار عاجلة
الرئيسية / منبر حر / فوبيا الماء والجفاف ببلاد درعة

فوبيا الماء والجفاف ببلاد درعة

عبد الكريم الجعفري- أستاذ باحث – زاكورة

يتميز مناخ درعة بطابع صحراوي موغل في القارية ،وبحرارة مفرطة صيفا وبرودة شديدة شتاء ،مع جفاف تام طيلة السنة والسبب كما تروي الادبيات المناخية هو انفتاح درعة على الصحراء الكبرى وعلى موقعها على العروض الشبه المدارية (29و30 درجة شمالا )،كما تحول جبال الطلس الكبير في الشمال وجبال سيروا وبعض الاجزاء من الاطلس الصغير في الغرب من تسرب الكتل الهوائية المعتدلة والرطبة الى حوض درعة .لذا فان واحات درعة تخضع للتأثيرات المباشرة لهذا المناخ الجاف مع هبوب رياح الشركي الجافة التي تلحق أضرارا كبيرة بالمحاصيل الزراعية .

كما تشهد بلاد درعة احيانا امطارا عاصفية قد تدوم لأيام مما يؤدي الى اغناء الفرشة المائية ،هذا ما سنحاول مقاربته من اجل تسليط الضوء على انعكاساته النفسية على الساكنة الدرعية بنوع من الفزع الدائم.
1- فوبيا الماء فوبيا الفيضانات
تعرف درعة مناخا جافا طول السنة، والذي قد يؤدي أحيانا الى احداث فيضانات تأتي على الاخضر واليابس.

إذ تجرف معها السواقي والمنازل وتهدم “الاكوكات” وتقلع العشرات من الاشجار فقد “تحدث صاحب تاريخ درعة “الطيب بن الحبيب الملولي “انه في شهر ذي القعدة 1342ه /1924م سقطت امطارا عاصفية مصحوبة ببرد بمنطقة اولاد جري بالمدخل الشمالي لواحة تنزولين مما نتج عنه جرف العديد من الابار وتهديم عدد من المنازل بزاوية تمسلا و اهلاك الكثير من أشجار النخيل” (1)
كما نشرت جريدة السعادة في دجنبر 1954 تقريرا عن الكارثة الطبيعية التي أصابت الجنوب المغربي ، بما في ذلك واحات درعة خلال شهر نونبر جاء فيه “تهطل في يوم واحد مقدار ما يتساقط في ظرف عام في ورززات وتاكونيت والمحاميد وفم زكيط وتزارين وزاكورة وارتفعت مياه وديان ورززات وتازارين يوم ثاني نونبر وحطمت زوابع البرد محصول التمر …وهطلت الامطار يوم 5و6و7 من نونبر في المحاميد حيث اقتلع النخيل وانسحب السكان من عدد من القصور “.(2)
وفي اواخر سبعينات القرن الماضي شهدت درعة امطارا غزيرة دامت حوالي خمسة عشر يوما ليل نهار، حيث نبت الزرع فوق اسوار القرى المحصنة كقصر تسركات الذي على مرمى حجر من زاكورة المدينة، مما ادى الى فزع سكان المنطقة من سقوط منازلهم الطينية ،كما هرع سكان القصور المحادية للوادي الى اماكن اخرى ،خاصة وان المياه بدأت تتوغل في ازقة هذه الدواوير .وتشير الرواية الشفوية ان نساء قصر تسركات قمن بغزل صوف الحيوانات وربطه على سور القصر باالاستعانة بشوك النخيل لكي تتوقف الامطار الغزيرة بناء على رؤيا احد سكان القصر.
كما شهدت يلاد درعة امطار غزيرة عام 2014ارتفع خلالها منسوب نهر درعة الى نسبة قياسية لم تشهدها في تاريخ درعة حيث اقتربت مياه الوادي الى منتزه زاكورة الحالي، ومنع السكان الذين يعيشون في الضفة الاخرى من الوصول الى دواويرهم وتوقفت الحركة الاقتصادية بزاكورة المدينة ،خاصة وان القلب الاقتصادي لزاكورة هو امزرو وسارت فالتواجد اليهودي هنا خلف مهنا حرفية توارتها المسلمون عنهم منذ زمان.
2- فوبيا الجفاف :الثابت المناخي البنيوي لبلاد درعة
اذا كانت الفيضانات والتساقطات المطرية الرعدية تشكل استثناء في طبيعة المناخ الصحراوي ،فان الجفاف هو اصل القاعدة فانفتاح درعة على الصحراء الكبرى ومنع جبال الطلس الكبير في الشمال وجبال سيروا وبعض الاجزاء من الاطلس الصغير في الغرب من تسرب الكتل الهوائية المعتدلة والرطبة الى حوض درعة ،ناهيك عن هبوب رياح الشركي الجافة تجعل منطقة درعة تحت رحمة سنوات الجفاف التي قد تمتد لعشرات السنين ،فالجفاف بالجنوب الشرقي ثابت بنيوي تطرقت اليه الكتابات التاريخية المهتمة بالمنطقة، خاصة كتابات مؤرخ درعة المرحوم أحمد البوزيدي،وحتى ان كانت هناك تساقطات مطرية فقد اصبحت تسقط بشكل عاصفي وفجائي في فصل الصيف وذلك منذ موسم 2016/2017.(3)
فالماء كان ولايزال يشكل الهاجس الاساس لسكان وادي درعة ،بل ان الخوف من الجفاف وقلة الماء ظل يسيطر على عقلية وسلوك السكان ،خصوصا بالواحات الجنوبية ،فكانوا اذا داهمهم الجفاف واصبحوا مهددين بالجوع يلجؤون الى من يعتقدون صلاحه من أهل التصوف وأصحاب الزوايا من الاشراف والمرابطين فيقدمون لهم العطايا ويتنازلون لهم عن أجزاء كبيرة من أراضيهم ،وكانوا أحيانا يلتزمون لبعض المرابطين بخدمة سواقيهم واراضيهم مقابل التوجه الى الله تعالى والتضرع اليه ليرفع عن أهل درعة الجفاف ،ويكشف عنهم عذاب الجوع (4)وقد” ورد في تقييد محلي وجد بلكتاوة “أن قحطا وقع بدرعة خلال ق16 فكان الصالحون مهتمين بذلك متضرعين الى الله تعالى في كشف ما نزل بهم عند قبور الصالحين والاولياء منهم والاموات ملتمسين رحمته وغيثه الى ان وصلوا الى شيخ الطريقة ابي العباس سيدي احمد بن علي الحاجي (توفي 1598م)وهو اذاك على قيد الحياة .اذ امرهم بان يذهبوا بصدقة الى ضريح الشيخ الحاج علي بن عمرو برباط تفجروت ،وحدد لهم الصدقة في “مدي ” من القمح بشرط كيله لا ينقص حبة واحدة أو جمعه عند الناس قبيلة قبيلة ،حتى يجمع كاملا على نية الصدقة، وثور يكون لحما .ويؤكد صاحب التقييد أن كل القبائل التزمت بجمع القمح حسب شرط سيدي احمد بن علي وجاءوا به الى رباط تفجروت حيث اقيمت صدقة كبيرة للفقراء والمساكين بحضور الشيخ سيدي احمد بن علي “””.(5)
اما الشيخ سيدي محمد بن ناصر (توفي سنة 1774م) فقد تنازل له اهل بافل درعة عن مساحات كبيرة من الارض مقابل احياء ساقيتهم فخرج اليها الشيخ في جملة من اصحابه “فحركها وسلمها الله فطلعت”(6)
واذا كان سكان درعة يتعايشون مع سنوات الجفاف حتى تمر في سلام ،رغم تأثيراتها السلبية في قتل مئات الاشجار المثمرة خاصة من فئات الزهريات خلال ثمانينات القرن الماضي والحفاظ على الفرشة المائية بتوفير مياه الشرب لسكان القرى بالإضافة الى سقي اشجار النخيل في الحقول والهجرات الجماعية الى المدن الكبرى (الدار البيضاء –بوسكورة –سلا…)،فان الجفاف الذي تشهده المنطقة اليوم يشكل سابقة في تاريخ درعة ،فاغلب الابار التقليدية جفت عن اخرها،واغلب اشجار النخيل لفظت انفاسها الاخيرة مما يطرح أسئلة عن المألات السلبية للاستقرار السكاني ،خاصة وان المورد الاساس لغالبية السكان لم يعد ينتج بفعل الجفاف.
1- دكتور محمد اوباها من خلال كتابه “تمور ونخيل واحات درعة – دراسة تاريخية سوسيو اقتصادية ” ص 127-128 الطبعة الاولى 2021.
2- المرجع نفسه ص 128.
3- المرجع نفسه ص17.
4- عبد الكريم الجعفري “طقوس الاستسقاء بتسركات بين الاحتفالي والخرافي ” زاكورة نيوز.
5- دكتور احمد البوزيدي من خلال كتابه “التاريخ الاجتماعي لدرعة مطلع ق17 الى مطلع ق20 ” ص 37.
6- “المرجع نفسه ص171.

شاهد أيضاً

من أجل تدبير جهوي حقيقي في مسار التنمية

يعتبر ترسيخ الديمقراطية، و دعم حقوق الإنسان و توسيع الحريات العامة و الفردية من أساسيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زاكورة نيوز

مجانى
عرض