عصام اوخويا ـ زاكورة نيوز
في زيارة قصيرة إلى مدينة توزر التونسية، الواقعة في الجنوب الغربي للجمهورية التونسية، تتجلى أوجه شبه عديدة بينها وبين الجنوب الشرقي للمغرب، خاصة مدينة زاكورة. غير أن المقارنة بين التجربتين تكشف تفاوتًا واضحًا في كيفية تدبير المجال الواحي وتثمين موارده، ما يفتح النقاش حول مستقبل واحة زاكورة وسبل النهوض بها.
توزر… واحة صحراوية برؤية اقتصادية واضحة
تُعد توزر مدينة وواحة صحراوية يبلغ عدد سكانها حوالي 40 ألف نسمة، وتتميز بمناخ صحراوي جاف شبيه إلى حد كبير بمناخ زاكورة. وتحيط بها واحات النخيل من الشرق والجنوب، ما يمنحها طابعًا طبيعيًا وسياحيًا خاصًا.
ورغم الظروف المناخية القاسية، استطاعت توزر أن تفرض نفسها كوجهة سياحية صحراوية رائدة، بفضل استثمارها في البنية التحتية وتثمينها لمؤهلاتها الطبيعية. فالمدينة تتوفر على مطار يعد من الأكبر في تونس من حيث المساحة، إضافة إلى ملعب غولف من بين الأكبر في البلاد، فضلاً عن استثمارها في السياحة الصحراوية والكثبان الرملية والواحات الجبلية والشلالات الطبيعية.
غير أن ما يلفت الانتباه أكثر هو طريقة تدبير الواحة وتثمين النخيل كمورد اقتصادي متكامل.
زاكورة… مؤهلات كبيرة وتحديات قائمة
تقع زاكورة في الجنوب الشرقي للمغرب، وتضم أكثر من 307 ألف نسمة حسب إحصاء 2014. وتُعرف بواحتها الممتدة على طول وادي درعة، والتي تُعد من أطول الواحات في إفريقيا.
ورغم أن المدينة تُصنف كوجهة سياحية، إلا أنها لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب في القطاع السياحي، نتيجة ضعف البنية التحتية وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب إشكالية مرض “البيوض” الذي أصاب أشجار النخيل منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتسبب في خسائر فادحة للواحة.
ويتميز مناخ المنطقة بكونه شبه صحراوي، شديد الحرارة صيفًا حيث قد تصل درجات الحرارة إلى 50 درجة مئوية، وبارد شتاءً، مع تساقطات مطرية محدودة لا تتجاوز في المتوسط 45 ملم سنويًا.

مقارنة فلاحية: لماذا نجحت توزر وتعثرت واحة زاكورة؟
إدارة الواحة وصيانة النخيل
في توزر، تبدو الواحات محافظة على رونقها، حيث يتم الاعتناء بالنخيل بشكل منتظم، مع احترام المسافات الفاصلة بين الأشجار، والتخلص من الجريد اليابس، وتنظيم الضيعات بشكل هندسي يعكس احترافية واضحة.
في المقابل، تعاني واحة زاكورة من مظاهر تدهور ملحوظة، نتيجة الجفاف، وضعف برامج التأهيل، وتراجع العناية اليومية بالضيعات، ما أثر سلبًا على الإنتاجية والمردودية الاقتصادية.
تثمين شامل لكل مكونات النخلة
من أبرز نقاط قوة تجربة توزر التونسية أنها تعتمد على مبدأ “لا شيء يُرمى”. فجميع أجزاء النخلة يتم تثمينها اقتصاديًا:


- الجريد يُستعمل في صناعة الحواجز والأسوار (الزرب)، كما يُطحن ليستخدم كعلف للماشية أو في تسقيف البيوت.

-
الفدام (الأنسجة المحيطة بالنخلة) يُصنع منه عدد من الأدوات والإكسسوارات التقليدية.

- خشب النخيل يُقطع بطريقة احترافية ويُحول إلى كراسٍ وطاولات وأبواب، ويُستخدم في تزيين المطاعم والفنادق.

-
التمر لا يقتصر على الاستهلاك التقليدي، بل يُحوَّل إلى عصائر ومربى ومنتجات غذائية متنوعة مثل “عصيدة التمر”.

هذا التنوع في التثمين يضمن دخلًا سنويًا مستقرًا للفلاح، ويحفزه على تطوير نشاطه والعناية بواحة توزر باعتبارها محركًا اقتصاديًا حيويًا.
نحو برنامج متكامل لتأهيل واحة زاكورة
في ظل انكباب عامل إقليم زاكورة وفريقه على إعداد برنامج خاص لتأهيل الواحة، تبرز أهمية الاستلهام من التجارب الدولية الناجحة، وفي مقدمتها تجربة توزر.
إن تأهيل واحة زاكورة لا يقتصر على غرس النخيل أو محاربة الجفاف فقط، بل يتطلب رؤية شمولية تشمل:
-
دعم الفلاحين تقنيًا وماليًا
-
تطوير سلاسل تثمين التمور
-
تشجيع الصناعات التقليدية المرتبطة بالنخيل
-
خلق تعاونيات متخصصة في تحويل المنتوجات
-
ربط الواحة بالمسارات السياحية البيئية
فالواحة ليست مجرد فضاء فلاحي، بل منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة.
الخلاصة: الواحة بين الإرادة والرؤية
تؤكد المقارنة بين زاكورة وتوزر أن التشابه المناخي لا يعني بالضرورة تشابه النتائج. فالفرق يكمن في الرؤية والتدبير والتخطيط طويل المدى.
وإذا كانت واحة زاكورة تتوفر على مؤهلات طبيعية مهمة، فإن تحويلها إلى رافعة اقتصادية حقيقية يمر عبر تثمين ذكي ومستدام لمواردها، بما يعيد الاعتبار للفلاح والصانع التقليدي، ويجعل من الواحة ركيزة أساسية للتنمية المحلية.
زاكورة نيوز البوابة الأولى للأخبار في زاكورة و في قلب الجنوب الشرقي المغربي



