عبد الكريم الجعفري – أستاذ باحث – زاكورة
يرى الفيلسوف المغربي الدكتور عبد السلام بنعبد العالي أن “ظاهرة الهاتف الجيبي تشهد على رغبة طافحة عند الانسان المعاصر في التواصل مع الاخرين والاقتراب منهم …ليتساءل الباحث :أي نوع من القرابة بمكن ان تخلقها هذه الآلة بين الناس ؟ليجيب في الأخير ان الهاتف النقال لم يسعف الانسان في تحقيق التواصل مع الاخرين ،بل زاد في ابعاده عنهم .”(1)
ومع التطورات الذي عرفها عالم الهواتف النقالة ،ظهر الهاتف الذكي الذي أصبحت له خدمات متعددة تتجاوز التواصل التقليدي بين الناس .
ومع دخول هذه الالة الى المؤسسات التعليمية ،أصبحت تنافس المدرسة في نقل المعرفة ،بل أصبحت وسيلة يتم توظيفها في الغش في الامتحانات عبر شات جبيتي .الشيء الذي دفع دول عديدة الى منع “حيازة ” الهاتف الجيبي داخل الوسط المدرسي.
ففي تقرير لليونسكو في يناير 2025 ،قامت 79 دولة بحظر الهواتف الذكية في المدارس التعليمية مما أدى الى نتائج إيجابية في دول مثل بلجيكا واسبانيا والمملكة المتحدة ،وتشمل القيود منع الهواتف خلال الحصص والاستراحات وفرض ” توقف رقمي ” في بعض الدول الاروبية.كما ان السويد الغت بشكل نهائي التكنولوجية الرقمية بالمؤسسات التعليمية وعادت الى الكتاب الورقي في مدارسها.
وفي المغرب كانت بداية التعاطي مع استعمال الهاتف بالمؤسسات التعليمة محتشمة الى حد ما بل مسموح بها ومحمية ، فقد ورد في دليل الحياة المدرسية 2008 حرفيا “يمنع التشويش الناتج عن استعمال الهاتف المحمول من قبل المتعلمين داخل حرم المؤسسة ومرافقها “(2) مما يدل على ان هذه الالة لم تظهربعد تاثيراتها السلبية على العملية التعليمية . لكن مع مرور السنوات بدأت تطفو الى السطح تجاوزات داخل المدارس يقوم بها بعض المتعلمين مما دفع بالمشرع الى سن ترسانة قانونية تتجه الى المنع الكلي للهاتف الذكي وملحقاته.
فقد أصدرت وزارة التربية الوطنية مذكرة وزارية بداية 2018 تنص على ” المنع الكلي لاستعمال الهواتف من طرف التلاميذ والاطر التربوية داخل الفصول الدراسية وفضاءات التعلم بهدف حماية الحياة المدرسية وضمان التركيز “(3).
وعلى مستوى الامتحانات الاشهادية فان المذكرات الخاصة بها تمنع منعا باتا إحضار الهاتف الى مركز الامتحان وتعتبر “حيازته” غشا صريحا .
وبخصوص قوانين حماية الحياة الخاصة فان القانون رقم 09- 08والقانون الجنائي يمنع تصوير او نشر صور للتلاميذ والأساتذة دون إذنهم ، مما يجعل استخدام الهاتف في التصوير موضوع ملاحقة قضائية.
غير ان المقاربة القانونية الصرفة اثبتت مع مرور السنوات انها غير كافية وغير مرحب بها داخل الأوساط التلاميذية .فالغش بالهاتف الذكي وملحقاته أصبح حقا مكتسبا يؤمن به التلاميذ واباؤهم .وبالتالي فان الصرامة التي تقوم بها الإدارة واطر المراقبة غالبا ما تواجه من طرف جحافل الغشاشين واسرهم ، .لذا كنت أقول منذ سنوات ان مواجهة الغش يطرح تحديات على المراقبين ذات طبيعة قانونية وتكنولوجية .
فمن الناحية القانونية .نتساءل :ما حدود تدخل المراقب لتوقيف الغاش عن الغش؟هل يسمح القانون للمراقب التفتيش في جسم تلميذ الذي بدا انه يحمل وسيلة غش ؟يجيب قانون المسطرة الجنائية بالنفي .فالشخص الوحيد الذي أعطاه المشرع حق التفتيش الجسدي هوضباط واعوان الشرطة القضائية بعد تصريح كتابي من النيابة العامة او قاضي التحقيق.بل ان الامر يزداد تعقيدا حينما يتعلق الامر بتلميذة تضع هاتف ذكي في أماكن حساسة في جسدها ،وبالتالي فان أي محاولة نزعه منها سيكون تحت طائلة تحرش جنسي وبالتالي متابعة قضائية للمراقب .
اما من الناحية التكنولوجية فان التطورات التي تشهدها سوق وسائل التواصل الاجتماعي يجعل المراقبة التقليدية التي يقوم بها المراقب أصبحت متجاوزة وغير ذات فائدة .لذا فان وسائل الغش ذات الطبيعة التكنولوجية لايمكن ان تواجه الا بوسائل تكنولوجية أكثر تطورا وهذا ما قامت به وزارة التربية الوطنية .خلال الموسم الدؤاسي 2024/2025 كمرحلة تجريبية ليتم تعميمها خلال الموسم 2025/2026.
هو عبارة عن جهاز ذكي متطور لمكافحة الغش الالكتروني يتم تطويره بكفاءة مغربية داخل جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية ،وجرى توزيعه على اكثر من 2000مركز امتحان بمختلف جهات المملكة ،ومن مواصفاته هو كشف الهواتف الذكية ،السماعات اللا سلكية الدقيقة والعدسات الالكترونية ولو كانت مغلقة ،كما يستطيع المسح الشامل للمكاتب والحقائب ،والقاعة أيضا ،ويشتغل هذا الجهاز ببطارية قوية تشتغل لست ساعات متتابعة دون الحاجة الى شحن.
وأعتقد ان تجريب هذا الجهاز خاصة خلال هذه السنة اتبث فاعلية في التصدي لهستريا الغش ،فهو خطوة تاريخية لتعزيز تكافىء الفرص وحماية مصداقية شهادة الباكالوريا التي اعتبرها السيد لحبيب المالكي – حينما كان وزيرا للتربية الوطنية – “هوية التلميذ” .فقد اسفر تشديد الرقابة الرقمية عن قفزة نوعية في ضبط حالات الغش المسجلة، اذ تم ضبط 4929حالة غش خلال الامتحان الجهوي للسنة الأولى باكالوريا للدورة الأولى وهو ما يمثل ارتفاعا كبيرا بنسبة 167℅ مقارنة بدورة السنة الماضية .
وبعيدا عن التشويش قد يأتي من هنا او هناك خاصة من بعض المترشحين او المؤثرين او من له مصلحة في استمرار “هستريا الغش” من الذين يرتزقون بعقول التلاميذ ،فان ما قامت به الوزارة الوصية يشكل في نظري “ثورة ” في التوقيف النهائي للأجهزة الذكية داخل اسوار مراكز الامتحان ،وإعادة الاعتبار للشواهد الاشهادية ،وإعطاء مصداقية للموهبة والتفوق والاغارة على نوادي الغش ذات الطابع الالكتروني.
1-ميتولوجيا الواقع عبد السلام بنعبد العالي دار توبقال ص 51-52 (بتصرف)
2- دليل الحياة المدرسية الأستاذ عبد الفتاح ديبون ص 90
3-مذكرة وزارية رقم 2018/01 بتاريخ 22/01/2018
زاكورة نيوز البوابة الأولى للأخبار في زاكورة و في قلب الجنوب الشرقي المغربي