أخبار عاجلة

الكلاب الضالة بين حماية الحق في الحياة واحترام القانون

أثارت مشاهد قتل الكلاب الضالة بمدينة تنغير موجة واسعة من الجدل بين من اعتبرها ضرورة لحماية المواطنين، ومن رأى فيها ممارسة غير إنسانية ومخالفة للتوجهات الحديثة في تدبير هذه الظاهرة. غير أن هذا النقاش لا ينبغي أن ينطلق من العاطفة أو الانفعال، بل من القانون والمعطيات العلمية والواقع الذي تعيشه العديد من المدن والقرى المغربية.

بداية، لا بد من التأكيد على أنني لا أعلم من هي الجهة التي أصدرت الأمر بما وقع في تنغير، ولا أهدف من هذا المقال إلى توجيه الاتهام إلى أي جهة بعينها، وإنما إلى مناقشة الموضوع من زاوية قانونية وموضوعية، لأن سيادة القانون تقتضي أن تبنى المواقف على الوقائع الثابتة لا على الافتراضات.

وفي المقابل، فإنني لا أكتب هذا المقال من برج عاجي أو من منطلق نظري فقط، بل من واقع معايشة شخصية. فقد وجدت نفسي أكثر من مرة في مواجهة كلاب ضالة في الشارع، واضطررت إلى تغيير مساري أو الاحتماء منها، وشعرت بالخطر الحقيقي الذي يمكن أن يتعرض له أي مواطن، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن. كما أن عددا من معارفي تعرضوا بالفعل لهجمات من كلاب ضالة، وأصيب بعضهم بعضات استوجبت العلاج والتلقيح. لذلك فإنني أدرك تماما حجم الخوف الذي تعيشه الأسر المغربية، وأتفهم مطالبتها بتدخل عاجل وفعال لحماية أرواح المواطنين، لكن هذا التدخل ينبغي أن يكون دائما في إطار القانون وباعتماد حلول مستدامة.

إن الحق في الحياة والسلامة الجسدية يعد من أسمى الحقوق التي كفلها الدستور المغربي. فقد نص الفصل 20 من دستور المملكة على أن “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق”، كما أكد الفصل 21 أن السلطات العمومية تعمل على ضمان سلامة السكان وحماية ممتلكاتهم. وبالتالي فإن حماية المواطنين من الأخطار التي تهدد حياتهم ليست مجرد اختيار سياسي، وإنما التزام دستوري يقع على عاتق الدولة والجماعات الترابية.

ولا يمكن إنكار أن ظاهرة الكلاب الضالة أصبحت تشكل مصدر قلق حقيقي. فقد أعلنت وزارة الداخلية أن المغرب سجل خلال سنة 2024 أكثر من مائة ألف حالة عض وخدش بسبب الكلاب، كما سجلت 33 حالة وفاة نتيجة الإصابة بداء السعار. وهي أرقام صادمة تؤكد أن الأمر يتعلق بمشكلة حقيقية تمس الصحة والسلامة العامة، ولا يجوز التقليل من خطورتها أو التعامل معها بمنطق المزايدات.

غير أن الاعتراف بخطورة الظاهرة لا يعني أن أي وسيلة لمواجهتها تكون مشروعة. فدولة القانون لا تقاس فقط بالأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وإنما أيضا بالوسائل التي تعتمدها.

وفي هذا الإطار، منح القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات لرئيس مجلس الجماعة صلاحيات الشرطة الإدارية الجماعية. فقد نصت المادة 100 على أن رئيس المجلس يمارس صلاحيات الشرطة الإدارية في ميادين الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية، ويتخذ التدابير الضرورية للمحافظة على الصحة العامة. كما نصت المادة 101 على أنه يمارس هذه الاختصاصات بواسطة قرارات تنظيمية وتدابير فردية في الحدود التي يحددها القانون.

غير أن قراءة هاتين المادتين لا تقود إلى القول بأن رئيس الجماعة يملك سلطة عامة أو مطلقة لإصدار أوامر بإبادة الكلاب الضالة، لأن سلطات الشرطة الإدارية تخضع لمبدأ المشروعية ولمبدأ التناسب، وهو ما يعني أن كل إجراء يجب أن يكون ضروريا، ومتناسبا مع الخطر المراد دفعه، ومطابقا للنصوص القانونية والتنظيمية الجاري بها العمل.

كما أن القانون رقم 56.12 المتعلق بالوقاية من الأمراض المعدية والسارية ومكافحتها، والقانون رقم 25.08 القاضي بإحداث المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، يجعلان من مكافحة داء السعار وتدبير المخاطر الصحية المرتبطة بالحيوانات اختصاصا يتم في إطار تعاون بين عدة متدخلين، وليس بقرار منفرد يصدر خارج الإطار القانوني.

وقد تبنى المغرب خلال السنوات الأخيرة، عبر البرنامج الوطني لمكافحة داء الكلب الذي يشرف عليه المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، مقاربة تقوم على التلقيح والتعقيم والترقيم والحد من تكاثر الكلاب الضالة، مع تعزيز الوقاية الصحية والتحسيس، وهي مقاربة تنسجم مع توصيات المنظمات الدولية المختصة، والتي تعتبر أن القتل الجماعي لا يشكل حلا مستداما، لأنه لا يمنع ظهور كلاب جديدة ولا يعالج الأسباب الحقيقية للظاهرة.

ومن الناحية القانونية، فإن الجماعة الترابية لا تتحمل فقط مسؤولية اتخاذ التدابير الوقائية في إطار صلاحيات الشرطة الإدارية، بل قد تتحمل أيضا المسؤولية عن تعويض المتضررين إذا ثبت تقصيرها في القيام بواجبها في حماية السلامة العامة. وقد كرس القضاء الإداري المغربي في العديد من أحكامه مسؤولية الجماعات الترابية عن الأضرار الناتجة عن الإخلال بواجبات الشرطة الإدارية متى ثبت الخطأ وثبتت العلاقة السببية بين التقصير والضرر، وهو ما أدى في عدد من القضايا إلى الحكم لفائدة الضحايا بالتعويض. وهذا يبين أن تدبير ظاهرة الكلاب الضالة ليس مجرد اختصاص إداري، بل هو التزام قانوني قد يترتب على الإخلال به قيام المسؤولية الإدارية وتحميل الجماعة التعويضات المستحقة للمتضررين.

ومع ذلك، فإن الدفاع عن هذه المقاربة لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار لمعاناة المواطنين الذين فقدوا أبناءهم أو تعرضوا لهجمات الكلاب الضالة. فالمواطن الذي يخشى على أطفاله أثناء ذهابهم إلى المدرسة لا يبحث عن سجال إيديولوجي، وإنما يبحث عن حماية فعلية توفرها له الدولة والجماعات الترابية.

ومن هنا، فإن الحل لا يكمن في الاختيار بين الإنسان والحيوان، لأن هذه معادلة مغلوطة، وإنما في اعتماد سياسة عمومية متوازنة تحقق حماية الإنسان أولا، وتحترم القانون ثانيا، وتعالج أسباب الظاهرة ثالثا.

ولعل من أهم الحلول التي ينبغي العمل بها:

* تعميم برامج الإمساك بالكلاب الضالة وتعقيمها وتلقيحها وترقيمها على المستوى الوطني.
* إنشاء وتجهيز مراكز جهوية وإقليمية لإيواء الكلاب الضالة.
* توفير اعتمادات مالية كافية للجماعات الترابية لتنفيذ هذه البرامج.
* تشديد الرقابة على ظاهرة التخلي عن الكلاب من قبل أصحابها، مع إقرار جزاءات رادعة.
* تعزيز التنسيق بين الجماعات الترابية ووزارة الداخلية ووزارة الصحة والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.
* التدخل الفوري لعزل أي كلب مصاب بالسعار أو يشكل خطرا حالا ومباشرا على المواطنين، وفق الضوابط الصحية والقانونية.
* إطلاق حملات وطنية للتوعية بخطورة داء السعار وسبل الوقاية منه.
* إحداث سجل وطني للكلاب المملوكة، وإلزام أصحابها بالترقيم والتلقيح الدوري، بما يحد من ظاهرة التخلي عنها في الشوارع.

إن حماية حياة الإنسان واجب دستوري لا يقبل المساومة، واحترام القانون واجب لا يقل أهمية. وبين هذين المبدأين يجب أن يتحرك أي قرار تتخذه السلطات العمومية. أما الحلول الانفعالية، سواء تلك التي تدعو إلى إبادة كل الكلاب الضالة، أو تلك التي تنكر وجود الخطر أصلا، فلن تؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.

إن المغرب اليوم في حاجة إلى سياسة وطنية فعالة ومستدامة لتدبير ظاهرة الكلاب الضالة، تقوم على العلم والقانون، وتحمي الإنسان أولا، دون أن تتخلى عن قيم الرحمة والرفق بالحيوان. فنجاح الدولة لا يقاس بعدد الكلاب التي يتم التخلص منها، وإنما بقدرتها على حماية أرواح المواطنين، واحترام القانون، ومعالجة جذور المشكلة معالجة علمية ومستدامة.

الدكتور اكونتر سعيد محامي بهيئة المحامين بمراكش ورزازات.

نشر من قبل: زاكورة نيوز

ربما أعجبك أيضا

كبش الطالب” بين الرمزية الدينية والتماسك الاجتماعي: مقاربة أنثروبولوجية لطقس جماعي بالجنوب الشرقي المغربي

بقلم ذ.مصطفى ايت عبو   يشكل التراث اللامادي أحد أهم المكونات الرمزية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *