الأحد , يوليو 14 2024
أخبار عاجلة

العبيد  الجدد..

الصديق اروهان:  كاتب

 

  لطالما ارتبط  في الأذهان أن قضية العبودية من القضايا التي عرفها التاريخ البشري سابقا، حيث كان كبار القوم وسادتهم يسلبون حق الناس في الحرية، ويعاملونهم كحيوانات أو أشياء خاضعة لمنطق السعر. وقد يذهب البعض إلى القول إن مثل هذه الأشكال قد عفا عنها الزمن ولم يعد لها وجود يذكر في الفترة الحالية.

 وبالرغم من الجهود المبذولة، في أوروبا وغيرها، من أجل الحد من انتشار هذه الظاهرة والكفاح دفاعا عن كرامة الإنسان وحقه في العيش بكامل حريته، باعتباره  غاية في ذاته وليس وسيلة. فإن المتأمل في واقعنا الحالي سرعان ما سيدرك أن ماكان كفاحا ونضالا، سرعان ما  فقد بريقه وتوهجه خصوصا في الاونة الأخيرة حيث أصبحنا أمام نوع جديد من العبودية أكبر ضررا وأشد خطرا مما كانت عليه في السابق.

  إننا، والحالة هذه، أمام عبودية جديدة كل الجدة، مختلفة شكلا ومضمونا عن سابقتها، خصوصا تلك المرتبطة بشكل مباشر بحياة الإنسان الشخصية. ما يعني أن شبكة السيادة قد اتسعت وأصبحت تشمل الشخصي واللاشخصي، الملموس والمجرد.. كيف لا ونحن أمام سيد جديد دخل ساحة المنافسة ضد الحرية. إنها التقنية الجديدة في أوسع تجلياتها وتمظهراتها. وإذا كان لأحد منا أن يشك في ما قلناه، فما عليه سوى أن يصول ويجول بنظراته حول كل ما يحيط به، ليرى بوضوح قيمة ما نحن بصدد الإشارة إليه.

 صحيح أن عصرنا موسوم بعصر التقنية والتطور الإعلامي والمعلوماتي، وأن وضع الإنسان في الوجود رهين بمدى قدرته على التكيف معها وتطويعها وفهمها، لكي لا ينقلب السحر على الساحر، وتصبح التقنية ذلك الوحش الأسطوري الذي لا نعرف عنه الشيء الكثير، هل هو حي أم ميت..أو ذلك الجلاد الذي إن لم نطاوعه انهال علينا ضربا مبرحا.. فنفقد حينئذ أعز ما يمكن لإنسان أن يتفاخر به.. إنها الحرية..

 لقد سبق للفيلسوف الفرنسي المعاصر جان بول سارتر أن أكد بأن الإنسان والحرية وجهان لعملة واحدة، وأن لديه من القدرة ما يمكنه من تجاوز كل العراقيل التي تحول دون تحقيق كامل لإنسانيته كإنسان.. لكن هذا الإنسان ما لبث يدمر ذاته بذاته ( كما سبق لروسو أن أشار إلى ذلك، في سياق اخر)، جاعلا من نفسه عبدا مطيعا للتقنية بمختلف أشكالها: هواتف نقالة ذكية في الجيوب.. حواسيب.. تلفاز..

تأمل معي عدد الذين يجلسون سحابة نهارهم في المقاهي لأجل مباراة في كرة القدم، أو أولئك الذين يستخدمون هواتفهم النقالة في أمور تافهة لا فائدة ترجى منها سوى مضيعة للوقت وقتل للتواصل والحوار الإنسانيين… وما خفي كان أعظم..

إن الأدهى من ذلك والأمر أن الأنظمة السياسية تجد طمأنينتها حينما ينشغل الناس بأمور تافهة، متمنية أن تدوم الأمور على هذا الحال.. تفضل التواطؤ مع كل الجهات المسئولة عن بث كل هذه السموم في عقول البشرية جمعاء..فإلى أين نحن متجهون ؟ ومتى نعي وضعنا البشري، فنتحرر؟ أم أننا نشبه ذلك الأرنب في قصة الأديب العالمي إذواردو كاليانو الذي انفتح أمامه القفص الذي كان فيه، بينما ظل يرتعش من شدة فزعه من الحرية.

قد يصعب على المرء أن يتحرر، لكن عليه بداية أن يعي شرطه الإنساني كمنطلق لحريته.. فالإنسان مطالب أكثر من أي وقت مضى بالسعي لاستعادة كينونته وحريته التي بدأ يفقدها مع تصاعد وتيرة التقنيات الجديدة..

 صعوبات جمة تلوح  في الأفق.. ويبقى الأمل شعاعنا الوحيد الذي نرقب من خلاله تباشير الحرية..

 

 

نشر من قبل: منصف بنعيسي

منصف بنعيسي ويبماستر موقع زاكورة نيوز.

ربما أعجبك أيضا

فيديو: بشرى لساكنة هذه المناطق.. تزويد عدد من الجماعات بين أكذر وزاكورة بمياه سد أكذز

في هذا الفيديو، نقدم لكم خبرًا سارًا لسكان المناطق بين أكذر وزاكورة، حيث تم الإعلان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *