الجمعة , مايو 29 2026
أخبار عاجلة

كبش الطالب” بين الرمزية الدينية والتماسك الاجتماعي: مقاربة أنثروبولوجية لطقس جماعي بالجنوب الشرقي المغربي

بقلم ذ.مصطفى ايت عبو

  يشكل التراث اللامادي أحد أهم المكونات الرمزية التي تحفظ ذاكرة المجتمعات التقليدية وتؤطر علاقتها بالماضي، إذ لا تقتصر الثقافة الشعبية على الحكايات والأمثال واللباس فقط، بل تشمل أيضًا الطقوس الجماعية (Rituels collectifs) والممارسات الاحتفالية التي تعكس أنماط العيش والقيم المشتركة داخل الجماعة. وفي هذا الصدد، تبرز عادة “الركض بكبش الطالب” أو ما يعرف محليًا بـ”أضحية الفقيه” و”ازيمر ن الطالب” باعتبارها من الطقوس الاجتماعية والدينية التي ما تزال بعض مداشر الجنوب الشرقي المغربي، خصوصا بمنطقة زاكورة وامتدادات متفرقة من  مجال “أسامر”، تحافظ عليها رغم التحولات الاجتماعية والثقافية المتسارعة.

  في الظاهر، تبدو هذه الممارسة مجرد عملية لنقل أضحية الفقيه إلى منزله أو إلى فضاء رمزي مثل “إمي ن اغرم”، غير أن القراءة الأنثروبولوجية (Lecture anthropologique) تكشف أن هذا الطقس يتجاوز بعده النفعي البسيط ليحمل دلالات رمزية عميقة مرتبطة بالهوية الجماعية (Identité collective) وبناء التماسك الاجتماعي.

  فمع اقتراب العيد الكبير، يتجمع شباب الدوار حول الكبش في أجواء احتفالية تطبعها الزغاريد والهتافات الجماعية والحماس الشعبي، قبل الانطلاق في الركض بالأضحية وسط متابعة جماعية من سكان الدوار كبارا وصغارا.ونشير مع الدكتور حسن رشيق أن المشهد هنا يتحول من مجرد نشاط اعتيادي إلى طقس احتفالي (Rituel festif) يعيد إنتاج الروابط الاجتماعية ويمنح الجماعة فرصة لاستحضار ذاكرتها المشتركة.

   أما الدكتور محمد الناجي فيرى أن  للفقيه داخل المجتمع القروي التقليدي مكانة رمزية خاصة؛ إذ لم يكن يقتصر دوره على الإمامة أو تحفيظ القرآن فقط، بل كان يمثل سلطة رمزية ومعرفية داخل القبيلة أو الدوار. فقد اضطلع تاريخيًا بمهام متعددة، من كتابة العقود والرسائل إلى الإشراف على بعض الشؤون الاجتماعية والمساهمة في حل النزاعات المحلية. ومن ثم، فإن تخصيص أضحية له لا يُفهم باعتباره دعما ماديا فحسب، بل باعتباره شكلاً من أشكال الاعتراف الرمزي (Reconnaissance symbolique) بالمكانة الاجتماعية والمعرفية التي يحتلها داخل الجماعة.

  ومن زاوية سوسيولوجية (Perspective sociologique)، تعكس عادة “كبش الطالب” استمرارية بعض أشكال التضامن التقليدي التي ميزت المجتمع القروي المغربي لعقود طويلة، خاصة من خلال قيم “التويزة” (La Touiza) والتعاون الجماعي. فالطقس لا يقوم على الفردانية، بل على المشاركة الجماعية، حيث يساهم الجميع في صناعة الحدث، سواء بالمشاركة المباشرة أو بالحضور والتشجيع، وهو ما يقوي الإحساس بالانتماء ويعيد إنتاج الروابط الاجتماعية داخل الدوار.

  كما يمثل هذا الطقس جزءًا من الذاكرة الجماعية (Mémoire collective) لسكان المنطقة، لأنه يتكرر سنويًا في مناسبة دينية ذات حمولة روحية قوية. فالطقوس الجماعية ليست مجرد عادات موروثة، بل هي آليات رمزية تعتمدها المجتمعات التقليدية للحفاظ على استمراريتها الثقافية ونقل قيمها ورموزها من جيل إلى آخر. ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار “ازيمر ن الطالب” شكلاً من أشكال التراث الثقافي اللامادي (Patrimoine culturel immatériel) الذي يختزن أبعادًا دينية واجتماعية ونفسية تعكس خصوصية الثقافة المحلية بمجال درعة وأسامر.

   في هذا الصدد يرى الأستاذ المختار الهراس أن هذه الممارسة، شأنها شأن عدد من الطقوس الشعبية المغربية، أصبحت اليوم تواجه خطر التراجع والاندثار بفعل التحولات البنيوية التي عرفها العالم القروي، من هجرة متزايدة نحو المدن، وتغير أنماط العيش، وصعود قيم الفردانية،وتوغل الصرعات العرقية الشوفينية بين القبائل إلى جانب تراجع بعض أشكال التضامن التقليدي التي كانت تؤطر العلاقات الاجتماعية داخل الجماعات القروية. كما ساهم تأثير الوسائط الحديثة والتحولات الاقتصادية في إضعاف حضور بعض الطقوس الجماعية داخل الحياة اليومية للسكان.

  ورغم ذلك، ما تزال بعض الدواوير متمسكة بهذه العادة باعتبارها جزءا من هويتها الثقافية المحلية، ووسيلة للحفاظ على استمرارية الذاكرة الجماعية. فاستمرار هذا الطقس لا يرتبط فقط بالرغبة في الحفاظ على عادة موروثة، بل أيضًا بالحاجة إلى إعادة إنتاج الفرح الجماعي، على حد تعبير إميل دوركايم. كما تعزيز هذه العادات الإحساس بالانتماء داخل مجتمع يعرف تغيرات متسارعة.

   إن “كبش الطالب” ليس مجرد طقس فولكلوري عابر، بل هو ممارسة اجتماعية وثقافية تكشف عن عمق العلاقات الإنسانية داخل المجتمع القروي بالجنوب الشرقي، وعن قدرة الجماعة على تحويل مناسبة دينية إلى لحظة للاحتفال والتضامن واستحضار الذاكرة المشتركة. وبين الماضي الذي يحتفظ بصوره داخل وجدان السكان، والحاضر الذي تفرض فيه الحداثة إيقاعها المتسارع، يظل السؤال مطروحًا بإلحاح: كيف يمكن حماية التراث اللامادي والفرح الجماعي دون تجريدهما من معانيهما الاجتماعية والرمزية الدينية؟

نشر من قبل: عصام أوخويا

ربما أعجبك أيضا

زاكورة :مشروع طريق تاسمينخت مطلب مجتمعي لساكنة المنطقة

رضوان لحميدي _ زاكورة تعاني ساكنة تاسمينخت من صعوبة الولوج الى مختلف مداشر المنطقة . …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *