وثر بلقايد
للفنون الأصيلة حكاية تكتبها الأجيال بإيقاعاتها وأصواتها، وتحفظها الذاكرة بما تختزنه من ملامح الأرض وروح الإنسان. ومن هذا الامتداد، عاشت ورزازات، من 21 إلى 24 أكتوبر 2026، على إيقاع الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني لفنون أحواش، المنظم تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، تحت شعار “فنون أحواش وإيقاعات العالم”، بتنظيم من وزارة الشباب والثقافة والرياضة، قطاع الثقافة، وعمالة إقليم ورزازات، بشراكة مع جمعية ورزازات إيفنتس، في موعد جمع بين الاحتفاء بالتراث والانفتاح على تجارب فنية متنوعة.
وعلى امتداد أيامه، قدم المهرجان برنامجا فنيا غنيا، التقت فيه أسماء وازنة من الساحة الفنية، من بينها نعمان لحلو، والعربي امغران، ووليد الرحماني، والستاتية، منتصر حمالة، إلى جانب الفنانين أبناء ورزازات، الإبن البار لمدينته لحسن خوختو ومحمد بلغال، والفنان إيماضريون، الذين أضاف حضورهم نكهة محلية خاصة، وجدد الصلة بين المدينة وأبنائها المبدعين.
وكان من أجمل ملامح هذه الدورة ذلك التمازج الفني الذي جمع الفنانين بفرق أحواش المشاركة، في لوحات تراثية مشتركة تجاوزت حدود الفقرات المنفردة، لتصنع لقاء بين الأصوات والإيقاعات والتعبيرات الفنية، في انسجام احتفى بأصالة أحواش وقدرته على استيعاب التجارب الفنية المتنوعة دون التفريط في هويته. وقد شاركت في هذه اللوحات فرق من بينها أحواش ورزازات، وفرقة بن عبد الله للفنون الشعبية، وفرقة من زاكورة، وفرقة تزويت العالمية القادمة من قلعة مگونة، وفرقة رگادة من وجدة… في مشاهد جسدت روح الجماعة التي يقوم عليها هذا الفن المتجذر في الوجدان المحلي.
ومن اللحظات الفنية التي استوقفت الانتباه، السمفونية التي قدمها الفنان منتصر حمالة رفقة فرق أحواش المشاركة، في لوحة فنية راقية امتزجت فيها الإيقاعات الجماعية في تناغم لافت. وقد لقي هذا العرض تفاعلا خاصا، ترجم في استدعاء السيد عامل إقليم ورزازات للفنان مباشرة بعد نزوله من الخشبة، حيث التقى به وأثنى على السمفونية التي قدمها، في التفاتة حملت دلالة الاعتراف بقيمة الإبداع حين يلامس وجدان الجمهور ويمنح التراث أفقا جديدا للتعبير.
ولم تنحصر أصداء المهرجان في منصات العروض، بل امتدت إلى فضاءات المدينة وساحاتها ومناطقها السياحية، من خلال فقرات فنية وتراثية موازية قربت هذا الموعد من السكان والزوار، وقدمت صورة عن التنوع الثقافي الذي تزخر به جهة درعة تافيلالت. كما أسهمت هذه الأنشطة في تعزيز الحضور الثقافي والسياحي لورزازات، بما تختزنه من ذاكرة معمارية وتراثية تجعل منها فضاء حيا للتلاقي بين الثقافة والفن والسياحة.
وفي موازاة الفرجة الفنية، احتل النقاش العلمي مكانة مهمة ضمن برنامج الدورة، من خلال ندوتين علميتين خصصتا لقضايا فنون أحواش والتراث الثقافي. ترأس الجلسة العلمية الأولى الدكتور محمد الركراكي، أستاذ التعليم العالي بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة درعة تافيلالت، بمشاركة الدكتور عثمان زوهري، والدكتور حمزة أيت الحسين، والدكتورة وئام المددي، والدكتور مصطفى أفقير، والدكتور سعيد بوسكة، والدكتور حسن أقديم.
أما الجلسة العلمية الثانية، فقد سيرها الأستاذ عزيز جيلالو، المدير الإقليمي لوزارة الشباب والثقافة والرياضة، قطاع الثقافة بورزازات وزاكورة وتنغير، بمشاركة الدكتور أحمد العياشي، والدكتور محمد أيت مصكور، والدكتور عبد الغني أيت بن درى، والأستاذ محمد أيت همو، والأستاذ محمد أيت لحساين، والباحث محمد الماهر. وأتاحت الندوتان فضاء للتداول العلمي حول التراث ومكانة أحواش في الذاكرة الثقافية، وما يقتضيه صونه وتثمينه من بحث وتوثيق ونقل للمعارف والخبرات إلى الأجيال الجديدة.
كما تضمن البرنامج فقرة ماستر كلاس، التي فتحت المجال للإنصات إلى تجارب رواد أحواش واستحضار ما راكموه من خبرة ومعرفة في هذا الفن. وشارك فيها الفنان علي الشيخي والفنان الحاج محمد ندوة توريرت، بتأطير من الأساتذة محمد حافظي وسارة حروف وصلاح بابا الشيخ، في لقاء وصل بين التجربة الميدانية والتأمل المعرفي، وأبرز أهمية حفظ الذاكرة الشفوية وتناقل أسرار الأداء بين الأجيال.
وامتدت العناية بالتراث إلى ورشات تقليدية للتعريف بفنون أحواش وطرق صناعة آلاته، بما أتاح للمشاركين فرصة اكتشاف جانب من المهارات والحرف التي تسند هذا التعبير الفني. فاستمرار التراث لا يتحقق بالعرض وحده، بل يحتاج إلى الممارسة والتعلم والتوثيق، وإلى صون المعارف التي تمنح الإيقاع جذوره ومعناه.
وفي قلب هذه الدورة، حضرت ثقافة الاعتراف من خلال تكريم عدد من الكنوز البشرية، تقديرا لما تمثله من رصيد تراثي وإنساني، واعترافا بإسهام الأشخاص الذين حملوا أمانة الفن الشعبي وأسهموا في استمراره. وهي لحظة تعيد الاعتبار إلى الإنسان بوصفه حاملا للذاكرة، وتؤكد أن الاحتفاء بالتراث يكتمل حين يشمل أولئك الذين صانوه بالتجربة والوفاء والعطاء.
واختتمت الدورة مساء السبت 24 أكتوبر 2026 بفضاء قصبة تاوريرت، بحضور السيد عامل إقليم ورزازات، إلى جانب شخصيات منتخبة ومدنية وعسكرية وثقافية وفنية وإعلامية. وتوجت الأمسية بلوحة جماعية شاركت فيها الفرق الفنية، جمعت الإيقاعات والأصوات في مشهد اختزل روح المهرجان، وأبرز قدرة الفن على خلق فضاء مشترك تتجاور فيه الذاكرة والإبداع.
وأكدت إدارة المهرجان أن الدورة حققت حضورا جماهيريا لافتا، مقدرة عدد المتابعين بنحو 80 ألف شخص، كما أعلنت عن التطلع إلى مواصلة هذا الموعد الثقافي بتنظيم الدورة الخامسة عشرة سنة 2027.
وبين العروض الفنية واللقاءات العلمية والورشات التراثية والتكريمات، أكدت الدورة الرابعة عشرة أن أحواش ليس مجرد فرجة عابرة، بل ذاكرة جماعية تستمد قوتها من أهلها، وتتجدد حين تلتقي أصالة الإيقاع بحرية الإبداع. وهكذا، واصلت ورزازات كتابة فصل جديد من حكايتها الثقافية، وفية لتراثها، ومنفتحة على المستقبل، ومؤمنة بأن الاعتراف بصناع الذاكرة هو أحد السبل الأساسية لصونها وإبقائها حية في وجدان الأجيال.
زاكورة نيوز البوابة الأولى للأخبار في زاكورة و في قلب الجنوب الشرقي المغربي