أخبار عاجلة

ورزازات.. حين تنشد الأرض ذاكرتها ويعانق أحواش إيقاعات العالم

كوثر بلقايد

في ورزازات، لا يحتاج أحواش إلى من يمنحه هوية، فقد صاغتها الأرض في إيقاعه، وحفظتها الذاكرة في حركاته وأهازيجه، وتناقلته الأجيال جيلا بعد جيل، حتى غدا جزءا من سيرة المكان ووجدان أهله. هنا، حيث تتجاور القصبات والواحات، وحيث تختزن الأرض حكايات الإنسان وطقوسه وأفراحه، يظل الفن الشعبي شاهدا على قدرة الذاكرة على مقاومة النسيان، وعلى أن ما يتجذر في وجدان الجماعة لا تنال منه تقلبات الزمن.

من هذه الأرض التي تمنح تراثها ملامحها الخاصة، تستعد مدينة ورزازات لاحتضان الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الوطني لفنون أحواش، خلال الفترة الممتدة من 22 إلى 24 أكتوبر 2026، تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بتنظيم من وزارة الشباب والثقافة والرياضة ـ قطاع الثقافة ـ وعمالة إقليم ورزازات، بشراكة مع جمعية ورزازات إيفنتس، تحت شعار «فنون أحواش وإيقاعات العالم». موعد ثقافي وفني يتجدد فيه الوفاء للموروث اللامادي، وتلتقي خلاله أصالة التعبيرات المحلية برحابة المشهد الموسيقي المغربي، في برنامج يراهن على التنوع والإشعاع وصون الذاكرة.

وتحمل هذه الدورة ملامح احتفاء فني غني، تتقدم فيه أسماء وازنة من الأغنية المغربية، من بينها الفنان نعمان لحلو، والفنانة الستاتية، والفنان العربي أمغران، والفنان وليد الرحماني، إلى جانب قامات فنية محلية، يتقدمها الفنان المقتدر لحسن خوختو، القامة الذهبية التي راكمت حضورا فنيا مميزا، والفنان محمد بلغال، بما يمثله من امتداد للمشهد الفني المحلي. ويمنح هذا الحضور للبرنامج تنوعا يلتقي فيه بريق الأغنية المغربية بخصوصية التعبيرات الفنية المنبثقة من عمق المجال، ويجعل من ورزازات فضاء جامعا لأذواق وتجارب موسيقية متعددة.

أما أحواش، فيحضر في قلب هذا الموعد بما يستحقه من مكانة في الذاكرة الجماعية، من خلال فرق ومجموعات تحمل رصيدها الفني وخصوصيتها التعبيرية، وفي مقدمتها أحواش ورزازات، الفرقة ذات الحضور الراسخ في المشهد التراثي المحلي، إلى جانب مجموعة إيماضريون، وفرقة بن عبد الله للفنون الشعبية، وفرق من زاكورة وأكادير، من بينها الفرقة العالمية تزويت، فضلا عن مجموعات أخرى تثري البرنامج بتعدد إيقاعاتها ومدارسها الفنية. وهو تنوع يعكس غنى الموروث المغربي، ويؤكد أن أحواش، على اختلاف تجلياته من منطقة إلى أخرى، يظل لغة مشتركة تصل الإنسان بأرضه، وتحفظ للذاكرة الشعبية قدرتها على التعبير والتجدد.

ولا تكمن أهمية هذا التنوع في كثرة الأسماء المشاركة فحسب، بل في فسح المجال أمام تجارب مختلفة لتلتقي على منصة واحدة، بما تحمله من تاريخ فني وتراكمات إبداعية. فلكل فرقة حكايتها، ولكل إيقاع ملامحه، ولكل منطقة طريقتها في حفظ الموروث ونقله. ومن هنا تبرز قيمة المهرجان باعتباره مناسبة للاحتفاء بالفنانين والفرق، ولتثمين الجهود التي تبذلها الأجيال المتعاقبة في صيانة هذا الرصيد الثقافي، حتى يظل التراث ممارسة حية تتفاعل مع الحاضر، لا مجرد ذكرى تستدعى في المناسبات.

وإلى جانب العروض الفنية، يفتح المهرجان نافذة على البحث والتكوين، من خلال ندوة علمية مبرمجة يوم السبت 24 أكتوبر بقصر المؤتمرات، تحت عنوان «أحواش ووزارات وأدوارها… تاريخ يروي وقيم تصان وآفاق تبنى»، بمشاركة باحثين ومهتمين، إلى جانب ورشات تكوينية في مجالات التراث وفنون أحواش وتنسيق الفرق الفنية. وهي فقرات تمنح البرنامج بعدا معرفيا، وتتيح النقاش حول سبل توثيق هذا الموروث وصونه، واستكشاف آفاق تطويره بما يحفظ أصالته ويعزز حضوره لدى الأجيال الجديدة.
فالتراث الذي لا يجد من يدرسه ويوثقه، ولا من ينقل معارفه إلى الناشئة، يظل معرضا للتراجع مهما بلغ حضوره في الوجدان.

لذلك، فإن وصل الممارسة الفنية بالبحث العلمي والتكوين يشكل مدخلا أساسيا لاستمرار أحواش، ويمنح الفنانين والمهتمين فرصا أوسع لتبادل التجارب وتطوير أدوات الاشتغال. كما أن تثمين هذا الموروث يقتضي الاعتراف بحملته، والإنصات إلى تجاربهم، وتوفير الشروط التي تتيح للفرق المحلية مواصلة العطاء في بيئة ثقافية تحتضن الإبداع وتحفظ الذاكرة.

وتتوزع العروض على فضاءات من بينها المنطقة السياحية ومنصة قصبة تاوريرت، في لقاء بين الفن والمكان، وبين الذاكرة المعمارية والذاكرة الشفوية. وتحمل قصبة تاوريرت، بما تختزنه من شواهد على تاريخ المدينة وعمارتها، دلالة خاصة وهي تستقبل إيقاعات متجذرة في المجال؛ فكأن الحجر يستعيد بعضا من حكاياته، فيما تتردد في الفضاء أصوات تختصر علاقة الإنسان بأرضه. إنها صورة تختزل خصوصية ورزازات، حيث لا تنفصل الثقافة عن المكان، ولا ينفصل الإبداع عن التاريخ الذي يمنحه معناه.

ويكتسب هذا الموعد أيضا قيمته من الرهان على ثقافة الاعتراف، بما تعنيه من تقدير للقامات الفنية التي راكمت تجاربها، وللفرق التي حافظت على حضورها، وللأصوات التي اختارت أن تجعل من التراث مسارا للعطاء. فالإنصاف الثقافي يبدأ من الاعتراف بقيمة الإنسان، ومنح كل تجربة مكانتها، وصون ما راكمه الفنانون من ذاكرة وخبرة. وحين يجد الفنان التقدير الذي يستحقه، تتحول مشاركته من مجرد حضور في برنامج إلى إسهام في بناء مشهد ثقافي أكثر حيوية وإنصافا.

إن الرهان على مهرجان وطني لفنون أحواش يتجاوز حدود الفرجة، ليطرح سؤال استدامة التراث ودوره في التنمية الثقافية والإشعاع المجالي. فالمهرجان الناجح هو الذي لا تنتهي حكايته بانطفاء الأضواء، بل يترك أثرا في الوعي، ويفتح آفاقا أمام الفنانين والشباب، ويعزز حضور الثقافة في الحياة اليومية، ويمنح الذاكرة المحلية فرصا جديدة لتصل إلى جمهور أوسع.

هكذا تستعد ورزازات لاستقبال دورة جديدة من مهرجانها الوطني، وفاء لذاكرة لم تنطفئ، واحتفاء بأسماء وتجارب جعلت من الفن لغة للانتماء، وتجديدا للعهد مع موروث يستمد قوته من جذوره وقدرته على الاستمرار. ثلاثة أيام تلتقي فيها الأصوات والإيقاعات، وتتجاور فيها التجارب الفنية، وتستعيد فيها الأرض شيئا من حكاياتها القديمة، لتؤكد أن أحواش ليس مجرد فن تتناقله الأجيال، بل ذاكرة جماعية تستحق أن تصان، وأن يعترف بحملتها، وأن تظل مفتوحة على آفاق المستقبل.

ومن ورزازات، حيث يظل للتراث صوته الخاص، تتجدد الحكاية؛ حكاية أرض تنشد، وإنسان يبدع، وذاكرة تواصل طريقها نحو الغد، حاملة معها ملامح هوية مغربية غنية بتعدد روافدها، أصيلة في جذورها، ومنفتحة على العالم.

نشر من قبل: رشيد أيت سعدان

ربما أعجبك أيضا

استعدادات مكثفة بزاكورة لإطلاق الدورة 13 لمهرجان ملتقى القوافل المسرحية

زاكورة نيوز – متابعة أعلنت جمعية الفينيق للإبداع الفني والثقافي بزاكورة عن تنظيم الدورة الثالثة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *