الثلاثاء , مارس 31 2020
الرئيسية / منبر حر / ميمون أم العيد يكتب: اصفعني.. أنا الحلقة الضعيفة

ميمون أم العيد يكتب: اصفعني.. أنا الحلقة الضعيفة

ميمون أم العيد يكتب: اصفعني.. أنا الحلقة الضعيفة

دركي يصفع أستاذا نواحي زاكورة اليوم الأربعاء، تَصَادفَ الحادث مع السوق الأسبوعي حيث يوجد عدد كبير من الشهود وتضامنت الساكنة مع رجل التعليم، وتمت محاصرة الدركي لما يزيد عن ست ساعات داخل سيارة الدرك إلى حين قدوم مسؤول إقليمي وتحرير محضر وإصرار الأستاذ على متابعة الدركي قضائيا.

بغض النظر على أن هذا الأستاذ محظوظ جدا، لأن الحادث صادف يوم السوق مع وجود مواطنين شهدوا بالإعتداء، وإلا لتم صفعه وينتهي الأمر، فالآلاف يصفعون ويُشتمون وعندما يحتجون تلفّق لهم تهم جديدة ويزج بهم في السجن فيطلبون السلة بدون عنب.
وبعيدا عن هذا الأستاذ الذي نتمنى أن يُنصفه القضاء، دعونا ننظر إلى المهنتين (التعليم والأمن) وما المشترك بينهما غير الصفع طبعا.
الأمني ورجل التعليم في المغرب من المهن التي تأثرت بالتغيرات التي عرفها العالم عموما، فرجل الأمن ورجل التعليم يعيشان في المغرب أحلك أيامهما الوظيفية!
صحيح أن الجميع يعيش في مأزق، لكن رجال الأمن ورجال التعليم (ونساء القطاعين طبعا) بنسبة أكبر، هم أكثر من تورّط مع هذا الجيل.

يأتي التلميذ بدون دفاتر ولا أدوات ولم ينجز واجباته، وإذا استفسره الأستاذ يقلل التلميذ أدبه على أستاذه، طبعا على الأستاذ أن يبتسم، أو يتصنع الابتسامة على الأقل، لا يحق له أن يخرجه من الفصل، لا يحق له أن يضربه، لا يحق له سوى أن يردد: “الله يهديك أولدي”. وعليه أن يضبط أعصابه، حتى لا يتلفظ بكلام ناب، وإذا غضب جدا، فإن الحل المتبقي أمامه هو أن يقصد قاعة مغلقة ليس بها غيره، ويبدأ في شتم وسب من يرغب في شتمه، ويلكم الحائط أو ينطحه حتى يبرد غدائده. حتى وإن كنت غير متأكد من صحة هذه الكلمة لغويا، لكنني متأكد أن هذا ينفع الأستاذ صحيا.

قضيتُ جزءًا من طفولتي في قرية لا تبعد كثيرا عن تازارين بزاكورة، وأتذكر أن الخطّاف الطيب الذي كان ينقلنا لهذا المركز القروي، كان يتخلص منا قبل أن يصل لـ “إمي ن الجردة” حيث يوجد رجال الدرك بتازارين، هو طبعا سوف يدفع بعض المال للدرك فهو خطّاف، كما يدفع جميع الخطّافين إلى الآن، لكنه إذا تخلص من عشرة أشخاص مثلا قبل الباراج فإن الدفع سيكون أقل، والدرك أعلم.

كنا صغارا، مستعدون دوما لقطع مسافات إضافية راجلين، لكن عندما أصل قرب الدورية كان قلبي يرتعد بقوة، ولا أمر قرب المكان الذي بني فيه النصب التذكاري لزيارة محمد الخامس لتازارين حتى أرتبك في مشيتي!
وأنا طفل لا أعرف إن كان عليَّ أن أحيي رجال الدرك أم أمر مدعيا عدم رؤيتي لهم؟ وأنا صغير كنت أتساءل في خاطري: ماذا لو اعتبروا تحيتي لهم إقلالا للاحترام الواجب لهم، وأنني أعتبرهم مثل رجال القرية الذين يجلسون قرب المسجد بعد صلاة العصر؟ وماذا لو اعتبروا عدم تحيتهم عدم تقدير لهم؟ مع ذلك أمر دون تحيتهم وهم لا يأبهون لمرور طفل صغير، فعيونهم مركزة نحو العربات التي يدفع لهم سائقوها الرشاوي من ثمن البلايص.

لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر وربما فوق الجسر أيضا، ما عاد أحد يقدر المعلم و ويحترم الأستاذ الذي يبدل قصارى جهده في تربية وتعليم التلاميذ والتلميذات، وما عاد الناس يقيمون وزنا لرجال الأمن ويقدرون ما يقومون به من تضحيات.

“ماتضربش” “ما تسبش”، “ما تغوتش”، في المقابل، التلميذ والمذنب “من حقه” يغوت ويسب ويضرب.

من حقه أن يفعل ما يريد وأنت (شرطيا كنت أو أستاذا) عليك أن تضبط أعصابك وتبتسم أمام جالّوف، وجالّوف هاته، كلمة يستعملها السواسة كثيرا، تستعصي على الترجمة لكنها تعبر بدقة عن حال هذا الجيل.

لا أقصد من هذا بأنه يجب أن نعود إلى التعنيف والضرب وسنوات الرصاص، لكن أعتقد بأن الأستاذ والأمني (شرطة درك..) يدفعان ثمنة فاتورة لا تعنيهما بالضرورة. لكن ربما جرّدنا هذه المهن من سلطتهما قبل خلق جيل واعٍ بما له وما عليه.

فقد قام المسؤولون بتجريد هذه المهن من “وسائل الاشتغال” قبل خلق شعب ناضج وواع، يعرف حدود مسؤولياته.

فكما يعاني شرطي أمام مذنب يهدد سلامة الناس، فإن الأستاذ كذلك لا يملك حلا أمام تلميذ يلج الفصل بلا أدوات، بلا كتب، ويزعج الآخرين. ويهدد سلامته إذا ما قرر معاقبته.

قد يكون هناك اختلاف في “الصالير” والإمتيازات، وتشابها كبيرا في المعاناة، لكن “واقعة تازارين” بينت أن الكثير من رجال الأمن ما تزال يدهم طويلة، ليس لتضرب المجرمين والجانحين والمذنبين لكن لتصفع رجالا مثلهم تماما لا حول لهم ولا قوة.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف حاجي يكتب: زاكورة بين زمنين

ما إن وجه وزير الداخلية مراسلة إلى الولاة والعمال بأقاليم المملكة لاتخاذ التدابير والاجراءات الوقائية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زاكورة نيوز

مجانى
عرض